تأثير استخدام وسائل الإعلام على الصحة النفسية
اليوم أكثر من أي وقت مضى من المهم أن تعرف: ماذا يفعل التواجد أمام الشاشات بعقولنا – وبقلوبنا أيضًا؟
ريفيتال أوردان
مركزة قطرية لتمريض الصحة النفسية
جميعنا ملتصقون بالشاشات هذه الأيام. وأحيانا معظم ساعات اليوم. إلى جانب المزايا العديدة الكامنة في إمكانية الوصول إلى وسائل الإعلام وتوافرها وقدرتها على احتواء ونقل كمية كبيرة من المعلومات بوتيرة مذهلة، يجدر بنا أن نتذكر الوجه الآخر للعملة.
الشاشات ومزاجنا -
نتائج الأبحاث تربط بين مقدار وقت الشاشة الأقصى المستهلك منذ الطفولة، يوما بعد يوم، وبين المس التدريجي بقدرة تنظيم الجهاز الهرموني القائم على أجهزة رد الفعل (Feedback) والتحكم. هنالك دور هام للغاية لهذا الجهاز في تنظيم النوم وأداء جهاز المناعة والتعامل مع الضغوطات.
وهكذا، فإن التأثير المباشر للمنبهات الشديدة على وقت ونوعية نومنا وعلى مستوى التوتر المعطى لا ينتهي
عندما ننتهي من المشاهدة، ولكنه يترك أثره على تنظيم الجهاز وأدائه على مدى كل ساعات اليوم.
الشاشات وأدمغتنا –
وما هو تأثير العالم الرقمي على أدمغتنا؟
يبدو أن وتيرة ظهورالمعلومات الجديدة تؤدي إلى إطلاق متزايد وسريع لناقل عصبي يسمى الدوبامين، وهو المسؤول عن مشاعر الإستثارة، الاستجابة للمنبهات الجديدة، والقدرة على الانتباه. بالإضافة إلى ذلك، يعتبر الدوبامين ذا تأثير على شعور النظام الإيجابي (reward system) والذي بدوره يؤدي إلى زيادة وقت مشاهدة الشاشة، والتعلق باستخدام وسائل الإعلام إلى حدّ الإدمان الحقيقي على الشاشات، والذ ي كما هي الحال في استخدام المواد الأخرى المسببة للإدمان، يؤدي إلى آلام الفطام عندما يتم أخذ الشاشة منا.
وتيرة المحفزات المتغيرة بسرعة لا تتطلب فترة انتباه كبيرة وبالتالي فإن قضاء وقت طويل أمام هذه المحفزات قد يؤدي إلى تفاقم أعراض اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط (ADHD) إذا كان موجودا.
وبالمقابل، قد تكون العديد من السلوكيات التي نربطها باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، مثل الاندفاع وعتبات التحفيز المنخفضة، مرتبطة بالتعرض لمضامين إعلامية عنيفة أو مكثفة.
أظهرت معطيات مايكروسوفت من عام 2015 أنه من عام 2000 إلى عام 2013 طرأ انخفاض في مدى انتباه البالغين غير المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، من 12 ثانية إلى ثماني ثوان (السمكة الذهبية، وفقا لنفس المعطيات لديها قدرة تركيز 9 ثوان) وأن استخدام وسائل الإعلام الرقمية - خاصة على عدة شاشات في وقت واحد، استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ودرجة استخدام التكنولوجيا بشكل عام - يمس بالانتباه، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقدرة على التركيز على محفز واحد لمدّة طويلة وبالقدرة على أن تكون انتقائيا تجاه المحفزات المختلفة.
هل الحياة في عالم رقمي يطور حقا مهارات مثل تعدد المهام، وقدرة أفضل على تصفية المحفزات بشكل انتقائي ، أم أن فيضان المحفزاتيتركنا مذهولين وفي أحسن الأحوال نكون أقل فعالية؟
نيكولاس كار الذي ألف كتاب The shallow: What the Internet Is Doing to Our Brain? (ماذا يفعل الإنترنت بدماغنا؟) يدعي بأنه من المفترض نأأأن الإنترنت قد جعلنا سريعي الإدراك، نعرف كل شيء وذوي قدرة سريعة على اتخاذ قرارات.
وفي الوقت نفسه، يسأل كار، هل القرار الذي يتم اتخاذه هو لك في نهاية المطاف، أم أنه تم تحديده حسب ترتيب ظهور النتائج في بحث جوجل الذي أجريته؟
هل فقدنا القدرة على القراءة بعمق؟ تشير دراسة أجريت في المكتبة الوطنية البريطانية بين عامي 2003-2008 إلى هذا الاتجاه.
معظم الطلاب اليوم لا يقرؤون المقالات ولكنهم "يمسحونها" في غضون بضع دقائق بطريقة ضحلة وهادفة.
ويدّعي كار بأن هذه العادات تغير أسلاك الدماغ من خلال تقوية مسارات معينة، وذلك على حساب تدفيع أثمان وفقدان المعرفة.
ماذا يمكننا أن نفعل؟
لكن لحظة، انتظروا ثانية أخرى قبل أن تحزموا الحقائب والانتقال إلى جزيرة منعزلة.
هناك ما يمكن القيام به للاستمتاع بفوائد وسائل الإعلام وتقليل تأثيرها غير الصحي على حياتنا.
كونوا على دراية بالوقت الذي تستخدمون فيه أنتم وأطفالكم وسائل الإعلام والمضامين التي تستهلكونها من خلالها. من المهم إيجاد الجرعة والتوازن الصحيحين.
في كثير من الأحيان، يلفت الآباء انتباه أطفالهم حول وقت الشاشة ولكنهم لا يدركون الوقت الذي يقضونه هم أنفسهم أمام شاشة التلفزيون أو الهاتف الذكي.
يُنصح بالمبادرة لاختيار وقت يتم فيه فصل جميع وسائل الإعلام في المنزل. قوموا بتخصيص وقت للتفكير الهادئ، اقرأوا المزيد من الكتب، احرصوا على تناول وجبات طعام مشتركة وإجراء محادثات وجها لوجه. واحرصوا على دمج النشاط البدني في روتينكم اليومي.
قوموا بإخراج الشاشات من غرف النوم، وعندما تكونون مع الأصدقاء والعائلة، كونوا معهم بدلا من مجموعة الواتساب (الحفارة ...).
في الوقت الذي تخشون فيه أن يفوتكم منشور آخر أو نشر بالإنستغرام، فقد تخسرون أشياء، الأشياء المهمة حقًا.