ما هو المشترك بين بنت تريد أن يساعدوها في ارتداء ملابسها كل صباح وولد يخجل من دعوة صديق الى البيت؟ وماذا بالنسبة للأولاد الذين يجدون صعوبة في تقبّل الخسارة في لعبة، حيث يغضبون ويتهمون المحيط؟- جميعهم من الأولاد الذين يجدون صعوبة في احتواء الشعور بالإحباط إزاء التعامل مع التحدي، والتغلب على فكرة أنهم قد لا ينجحون. كيف نساعدهم في التعامل مع هذا؟ كيف يتم تعليم الأطفال أن يروا في الصعوبات فرصة وليس عقبة؟
دونالد وينيكوت، طبيب أطفال بريطاني ومن مؤسسي علم النفس الحديث، انتبه أيضا الى أن الأهل الذين يوفرون عادة احتياجات الطفل بشكل يبعث على الرضا، لا ينجحون دائمًا في ذلك بشكل فوري، ويعيش طفلهم تجربة الإحباط. ويدعي وينيكوت أنه في حالات معينة، عدم الارتياح هذا قد يطوّر لدى الطفل قدرات جديدة. على سبيل المثال، الطفل الذي ينهض من النوم جوعان ويبدأ بالبكاء، يقوم والداه بالتوجه إليه، ويستغرق ذلك عدة ثواني. ماذا يمر على الطفل في تلك اللحظة؟ يمكن التفكير بأن هذه اللحظة صعبة عليه، ولكن من المحتمل أنه في إحدى المرات نجح في أن يتخيّل صوت والديه اللذين يقتربان منه، شعور الحليب الذي يشبعه، شعور الهز في حضن والديه. رغم أن الحليب لم يصل بعد، والوقت الذي كان يجب انتظاره قد مرّ، والطفل تعلم طريقة الهدوء الذاتي وطوّر قدرات التخيّل لديه. هكذا وضع وينيكوت مصطلح "الإحباط الأمثل".
الإحباط الأمثل يحدث عندما يستجاب عادة لاحتياجات الولد الذي يمر بتجربة إحباط بدرجة يستطيع تحمّلها. يتيح له الأمر تعلم أشياء جديدة عن نفسه وعن العالم، واكتشاف قدرات جديدة، وتطوير مهارات وخاصة خلق شعور ذاتي بالتكيّف. الإحباط الملاءم يساعد الأولاد على أن يكبروا ويتقدموا، ولا حاجة للتخوف من التسبب بإحباط كهذا: هذا ليس إحباطًا كبيرًا للغاية يمس بإحساس التكيّف الذاتي لديهم، ولكن لا يتركهم أيضا في منطقة راحتهم دون تقدّم.
ولكن ماذا نفعل عندما يرفض أولادنا مواجهة التحديات الجديدة؟
باحثة تدعى كارول دواك فحصت كيف أن المديح الذي نقدّمه للأولاد يؤثر على الدافع لديهم للتقدم والتطور وعلى قدرتهم على التعلم من الأخطاء. في بحثها، طلاب الصف الخامس عملوا على مهمة، حيث مدح المعلم بعدها قسمًا منهم على ذكائهم (عمل جيد! أنت فعلا ذكي/ة) وآخرين على جهدهم (عمل جيد! فعلا بذلت جهدًا كبيرًا). وبعد ذلك اقترحوا على الطلاب إمكانية الاختيار بين عمل على مهمة فيها شيء من التحدي يمكن التعلم منها، وبين مهمة سهلة من المؤكد لا يوجد في تنفيذها أخطاء. ماذا اختار الطلاب حسب رأيكم في كل واحدة من المجموعتين؟
معظم الطلاب الذي حظوا بالمديح على ذكائهم فضلوا المهمة السهلة، بينما اختار معظم الطلاب الذين حظوا بالمديح على الجهد الذي بذلوه المهمة ذات التحدي. الطلاب الذين حصلوا على المديح على الذكاء، فقدوا ثقتهم بنفسهم ومتعتهم بالمهمة. إذا كان النجاح يعني أنهم أذكياء، فإن تعاملهم مع الصعوبات يعني أنهم ليسوا أذكياء. وبالمقابل، الطلاب الذين حصلوا على المديح على جهودهم المبذولة، رأوا في المهمة فرصة ليجربوا ويتعلموا أشياء جديدة. ولاحقا وجد أن الطلاب الذين اختاروا العمل الصعب الذي يتطلب بذل جهود نجحوا أكثر في الامتحانات وفي المهام الأخرى التي تم تكليفهم بها. وارتفعت علاماتهم مقارنة بالمجموعة التي حصلت على مديح على ذكائهم- وكذلك بالنسبة لأنفسهم.
هكذا، فإن المديح مرتبط بشكل وثيق بالشكل الذي يقيّم الطلاب فيه أنفسهم، وبالدرجة التي هم على استعداد ان يواجهوا التحديات وينجحوا بها. هنالك أولاد يؤمنون بأن قدراتهم ثابتة ("أنا ذكي"، "أنا رياضي"). ولذلك هم يبحثون عن مهام يستطيعون دائمًا النجاح فيها وبذلك يثبتون قدراتهم، ويتجنبون المهام التي يوجد فيها احتمال أن يخطئوا. طموحهم في التعلم والتقدم يتنحى جانبًا. أولاد آخرون يؤمنون بأنه من أجل الوصول الى انجازات عليهم أن يتدربوا ويبذلوا جهودًا. وعندما يؤمن الأولاد بأنه بالإمكان أن يطوروا قدراتهم فهم يركزون على ذلك بالضبط. هم غير منزعجين من مسألة كم سيبدون أذكياء. هم قادرون على أن يأخذوا على أنفسهم تحديات والتمسك بها.
أبحاث كارول وزملائها تظهر أنه عندما يتم مدح الأولاد على الجهد، والاستراتيجية أو المواظبة، فهم يميلون الى التمتع بالمهمة والتجند إليها. وعندما يتم مدحهم على النجاح أو القدرة، فهم يميلون الى أن يكونوا قلقين أكثر بأنه ربما لا ينجحون في المرة التالية، ولذلك يحاولون التملص من المهام التالية. هكذا، فإن المديح الذي نسبغه على أولادنا ليس بالضرورة يقدّم ويحسّن ثقتهم بنفسهم. هذا بالذات قد يحبطهم ولا يشجعهم.
إذًا كيف أساعد ابني على التعامل مع المهام؟
كيف نمدح أولادنا بشكل يحسّن إرادتهم في إثارة التحدي لديهم ويعلمهم حول قدراتهم؟
- امدحوا على الجهود وليس الإنجازات: المديح على الجهد المبذول، الاستراتيجية، المواظبة والمواجهة، كل هذا يعزز الثقة بالنفس لدى الأولاد أكثر من المديح على النجاح.
- اخلقوا الفرص للنجاح: دعوا الولد يجرب مجموعة متنوعة من الفعاليات والمجالات التي تبعث التحدي لديه، وتتيح له اكتشاف مجالات للقدرات والمهارات.
- تعاملوا مع الولد كشخص ذي قدرة على المساهمة: دعوا الولد يشارك في المهام المنزلية بحسب عمره. حتى لو كان يتذمر في اللحظة الأولى- ثقته بالنفس تتعزز من الإحساس بأنه يسهم ولديه قدرات.
- لا تقارنوا: تركزوا في قدرات الولد وفي الأماكن التي يجب عليه أن يتحسن فيها بالنسبة لنفسه، وليس بالمقارنة مع نماذج خارجية، مثل الأخ الموهوب أو "عندما كنت في عمرك".
- عندما تقدمون ردًا، يفضل أن يكون حقيقيًا ومفصلا: صفوا ماذا ترون ("استعملت ألوانًا كثيرة، ملأت مساحة كبيرة من الورقة ولوّنت كل الدوائر التي رسمتها")، صفوا ماذا تشعرون ("هذا الرسم يفرح قلبي") ولخصوا بكلمة واحدة مدح السلوك ("ما هذا الإبداع"!
- لا تمدحوا الولد على نجاحات وقدرات خيالية. الأولاد حساسون لعدم الصراحة. المديح غير الصريح قد يسبب للولد أن لا يعتمد على إطراءات الأهل، أو أحيانا عدم الاعتماد على الأحاسيس الداخلية لديه.
- لا تخشوا أن تضعوا طلبات: الأولاد يعون بأن للأهل توقعات منهم. تمويه توقعات معقولة لسلوك جيد وإنجازات قد تمرّر للولد رسالة بأنكم لا تؤمنون بقدراته.
كأهل، نريد أحيانا كثيرة التخفيف عن أولادنا. يصعب علينا أن نراهم يعانون ومحبطين ومن المهم لنا أن نحميهم من الألم. ولكن الإحباط، البعد بين ما يوجد لدي وبين ما أريد، هو أحد محركات النمو الهامة لدى بني البشر. هو المسبب للتحفيز، للإبداع وللتقدّم، ومن المهم أن نتيح لهم إمكانية أن يخوضوا تجربة ذلك.